الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

19

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المشركين بالانقراض بقاعدة قياس المساواة ، وأن اللّه ينشئ بعدهم أمّة مؤمنة كقوله تعالى إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ في سورة [ إبراهيم : 19 ] . و ( كم ) اسم ، له حقّ صدر الكلام لأن أصله اسم استفهام عن العدد ، وشاع استعماله للإخبار عن كثرة الشيء على وجه المجاز لأن الشيء الكثير من شأنه أن يستفهم عنه ، والتقدير : قصمنا كثيرا من القرى ف ( كم ) هنا خبرية . وهي واقعة في محل نصب بفعل قَصَمْنا . وفي ( كم ) الدالة على كثرة العدد إيماء إلى أن هذه الكثرة تستلزم عدم تخلف إهلاك هذه القرى ، وبضميمة وصف تلك الأمم بالظلم أي الشرك إيماء إلى سبب الإهلاك فحصل منه ومن اسم الكثرة معنى العموم ، فيعلم المشركون التهديد بأن ذلك حالّ بهم لا محالة بحكم العموم ، وأن هذا ليس مرادا به قرية معينة ، فما روي عن ابن عباس : « أن المراد بالقرية ( حضوراء ) - بفتح الحاء - مدينة باليمن قتلوا نبيئا اسمه شعيب بن ذي مهدم في زمن أرمياء نبيء بني إسرائيل فسلط اللّه عليهم بختنصر فأفناهم » . فإنما أراد أن هذه القرية ممن شملتهم هذه الآية ، والتقدير : قصمنا كثيرا . وقد تقدم الكلام على قوله تعالى أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ في سورة [ الأنعام : 6 ] . وأطلق القرية على أهلها كما يدل عليه قوله تعالى وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ . ووجه اختيار لفظ قَرْيَةٍ هنا نظير ما قدمناه آنفا في قوله تعالى ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها [ الأنبياء : 6 ] . وحرف ( من ) في قوله تعالى مِنْ قَرْيَةٍ لبيان الجنس ، وهي تدخل على ما فيه معنى التمييز وهي هنا تمييز لإبهام ( كم ) . والقصم : الكسر الشديد الذي لا يرجى بعده التئام ولا انتفاع . واستعير للاستيصال والإهلاك القوي كإهلاك عاد وثمود وسبأ . وجملة وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ معترضة بين جملة وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ وجملة فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إلخ . فجملة فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إلخ تفريع على جملة وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ . وضمير مِنْها عائد إلى قَرْيَةٍ .